شهدت أهرامات الجيزة، أحد عجائب الدنيا السبع، حدثاً استثنائياً جمع بين أقدم الآثار في العالم وأحدث تقنيات الموسيقى والإضاءة، حينما قدّم مشروع “أنيما” (Anyma) الموسيقي العالمي عرضاً مبهراً حوّل سفح الأهرامات إلى لوحة فنية ضخمة تنبض بالتقنية والإبداع في ليلة العاشر من أكتوبر 2025، امتزجت الإيقاعات الإلكترونية الحديثة مع الأجواء التاريخية المهيبة في مشهد بصري مذهل خطف أنظار الحضور وعدسات الإعلام العالمي، وسط حضور جماهيري ضخم بلغ نحو 15 ألف شخص، بينهم 11 ألف سائح أجنبي قدموا من مختلف دول العالم خصيصاً لحضور هذا الحدث الفريد، إلى جانب 4 آلاف مصري.
من هو أنيما وراء هذه التجربة الفريدة؟
ماتيو ميليري، المعروف فنياً باسم أنيما، هو موسيقي ومنتج إيطالي أمريكي وأحد أعضاء ثنائي “Tale of Us”. وهو أيضاً المؤسس المشارك لـ “Afterlife Records”. وُلد في نيويورك عام 1988 وانتقل إلى إيطاليا حيث درس الهندسة الصوتية، ليبدأ مسيرته الموسيقية التي تميزت بمزج التكنو والهاوس مع لمسات كلاسيكية ، يشتهر ميليري بعروضه الصوتية والبصرية المبتكرة التي تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والإبداع الموسيقي، وقد قدّم عروضه سابقاً في أماكن مرموقة عالمياً مثل “Sphere” في لاس فيغاس، وإيبيزا، وساو باولو.
تفاصيل العرض الأسطوري: عندما أصبحت الأهرامات جزءاً من الأداء
قسّم أنيما حفله إلى جزئين متكاملين، قدّم في الأول عرض “كوانتوم” (Quantum) كعرض DJ، بينما قدّم في الجزء الثاني عرض “نهاية جينيسيس” (The End Of Genesys) كعرض صوتي بصري متطور يدفع بحدود الأداء الحي إلى آفاق جديدة، تميز الحفل باستخدام أكبر شاشة عرض في تاريخ الفعاليات المصرية، بمساحة تجاوزت 2000 متر مربع، استخدمت لأول مرة في موقع أثري بهذا الحجم، مما جعل التجربة أشبه بمشهد سينمائي ضخم يُعرض في قلب التاريخ ، وقد امتزجت الموسيقى الإلكترونية الحديثة مع أضواء الليزر والمؤثرات البصرية التي جعلت الأهرامات تبدو وكأنها جزء من العرض ذاته، حيث نجح المنظمون في جعل الهرم هو النجم الحقيقي للفعالية.
الأثر الاقتصادي: 20 مليون دولار خلال 3 أيام
حققت الفعالية عائداً سياحياً واقتصادياً كبيراً لمصر، حيث بلغت نفقات الزائرين الأجانب خلال فترة إقامتهم نحو 20 مليون دولار، وفقاً لما أكده ربيع مقبل، منظم الحفل، وشهدت الفنادق القريبة من الأهرامات نسب إشغال مرتفعة، حيث وصلت أسعار بعضها إلى 500 دولار لليلة الواحدة نتيجة الإقبال الكبير، كما ساهم الحفل في تشغيل أكثر من 3000 عامل مصري بشكل مباشر في أعمال التجهيزات التي استمرت 10 أيام متواصلة، بينما استمرت التحضيرات الأولية لأكثر من 6 أشهر.
الجدل المصاحب: بين التأييد والمعارضة
على الرغم من النجاح الجماهيري والاقتصادي، لم يخلُ الحفل من الجدل والانتقادات التي اشتعلت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، حيث رأى بعض المنتقدين أن العروض تحمل “طقوساً غريبة” لا تتناسب مع قدسية المكان الأثري.
من ناحية أخرى، حذر خبراء في الآثار من تأثير الموسيقى الإلكترونية الصاخبة على أحجار الأهرامات، حيث أشار الخبير الآثاري الدكتور عبد الرحيم ريحان إلى أن “الاهتزازات الناتجة عن الحفلات الصاخبة ضارة بالأثر، وقد أثبتت الدراسات الفيزيائية الحديثة أن الأصوات التي تتجاوز 85 ديسبل تُحدث اهتزازات دقيقة تؤثر على تركيب الأحجار”.
في المقابل، دافع مؤيدو الحدث عن أنه يعد ترويجاً سياحياً عالمياً لمصر، ويعكس قدرتها على استضافة فعاليات ضخمة تضاهي كبرى الأحداث الدولية.
الدعم الرسمي والتنظيم: جهود متكاملة لإنجاز لحظة تاريخية
أكد ربيع مقبل، منظم الحفل، أن التعاون الكبير من وزارتي السياحة والآثار والداخلية كان السبب الرئيسي في نجاح الفعالية بهذا الشكل المبهر، مشيراً إلى أن التصاريح الرسمية كانت قد صدرت من الجهات المعنية، وقال مقبل في تصريحات لبرنامج “الحكاية”: “فوجئت بترحيب كبير من الدولة المصرية”، معبراً عن تقديره للدعم الذي تلقاه منذ بداية التخطيط للحدث.
رسالة مصر للعالم
يظل حفل أنيما عند أهرامات الجيزة حدثاً فريداً من نوعه، يجسّد رؤية جديدة لمستقبل السياحة والثقافة في مصر، حيث تلتقي عراقة التاريخ مع إبداعات المستقبل.
هذه التجربة الاستثنائية تثبت أن مصر قادرة ليس فقط على الحفاظ على تراثها الحضاري، ولكن أيضاً على توظيفه بشكل إبداعي يجذب أنظار العالم، مع الحفاظ على التوازن بين الحداثة والأصالة، وبين الاستفادة الاقتصادية والحفاظ على الإرث التاريخي للأجيال القادمة.


